الشيخ محمد هادي معرفة
16
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . « 1 » وتلك زهوره الباسقات ، جاءت في حقول متعدّدة ، نقدّم لك إجمالها قبل بيان التفصيل : أولًا - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره « واضعا كلَّ لفظٍ موضعه الأخصَّ الأشكلَ به ، بحيث إذا ابدل بغيره جاء منه فسادُ معنى الكلام أو سقوط رونقه » . « لو انتزعت منه لفظةٌ ثمّ أدير لسانُ العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد » . « فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة يُنكر شأنها . . . بل وجدوا اتّساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور » . ( قدامي علماء البيان ) ثانيا - طرافة سبكه وغرابة أسلوبه سبك جديد وأُسلوب فريد ، لاهو شعر كشعرهم ولا هو نثر كنثرهم ، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة ، على أنّه جمع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع ، فيه إناقة الشعر وطلاقة النثر وجزالة السجع الرصين ، ممّا لم يوجد له نظير ولم يخلفه أبدا بديل ، ولااستطاع أحد أن يماريه أو يجاريه ، لا في أُسلوبه ولا في نظمه البديع . حلوٌ رشيق وخلوبٌ رحيق « إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، إنّه يعلو ومايُعلى . . . » كلام قاله عظيم العرب وفريدها الوليد . ثالثا - عذوبة لفظه وسلاسة عباراته يسيح سيحا كجري الماء في مصبّه ، ويفيح فيحا كنسيم الصبا من مهبّه ، عذبا سائغا رويّا ، تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور ، في رونق جذّاب وروعة خلّابة .
--> ( 1 ) - الشورى 52 : 42 .